العراق في عهد محمد شياع السوداني:تجربة إصلاح لاقتصاد مُكبَّل بالنفط

رجل يرتدي بدلة ونظارة شمسية يرفع يده ليحيي الناس.
“اسم لا يغيب عن أذهان الجميع”، محمد شياع السوداني في عرض عسكري ببغداد، جانفي  2026. (Photo: picture alliance/dpa | A. al-Mohammedawi)
يعتمد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على إصلاحات عملية ومشاريع بنية تحتية جديدة لاستعادة الثقة في الحكومة. وبينما حقق نهجه استقرارًا وشعبية قصيرة الأمد، إلا أن اعتماد العراق على النفط ونقاط ضعفه الاقتصادية لا تزال قائمة.
داخل المجمع الحكومي في المنطقة الخضراء المحمية بشدة في وسط بغداد، وهي منطقة أُنشئت بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، تبنّى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني نهجًا براغماتيًا في الحكم، وعندما تولّى منصبه في أكتوبر/ 2022، شمّر عن ساعديه، مقدّمًا نفسه كمصلح عازم على الحدّ من الفساد والمحسوبية وإخراج الاقتصاد من ركوده المزمن.
لقد أكسبته جهوده للتحرر من عقدين من سوء الإدارة والمحسوبية والفساد المتجذر إعجابًا وإشادة بين الطبقة الوسطى. ومع ذلك، يواجه السوداني أيضًا مقاومة من معارضين ومنافسين سياسيين وجماعات مرتبطة بقوى خارجية.
مدينة قيد الإنشاء
يملأ ضجيج المطارق الكهربائية والحفر والآلات الثقيلة أرجاء العاصمة بغداد، حيث تُبنى الجسور، ,ويعاد رصف الشوارع الرئيسية وتوسيعها، وتُنظّف الأرصفة، بعد عقود من الإهمال وسوء الإدارة في القطاع العام.
يتردد اسم السوداني تقريبًا على ألسنة الجميع في المقاهي الصاخبة والصالونات السياسية، إذ استغل اللحظة وركّز على آليات الدولة، بينما يتنقّل في مشهد سياسي معقد ومليء بالمخاطر في بلد شديد الاستقطاب، ونادرًا ما يقيم عروضًا باذخة. لقد بُنيت سمعته على الأفعال لا على الخطب الرنانة. وفي مدينة طالما عُرفت بالفوضى المؤسسية، يُنظر الآن إلى التحسينات الطفيفة، ولكن الملموسة، في الخدمات الأساسية والحكم على أنها إصلاحات مهمة.
ألقت حكومة السوداني بثقلها خلف خطة إصلاح اقتصادي تهدف إلى إخراج البلاد من اعتمادها المفرط على عائدات النفط. بدا هذا التغيير واضحًا بالفعل، وهو ما يثبت وجهة نظره السياسية: فقد قلّلت الطرق الجديدة من الازدحام المروري، وربطت الجسور المُعاد افتتاحها الأحياء ببعضها البعض، وزادت إمدادات الكهرباء في أنحاء المدينة، كما اقترب موعد الانتهاء من الجسور العلوية التي ظلّت نصف مكتملة لسنوات. ويلاحظ المواطنون تأثير هذه الإجراءات مع تحسّن الخدمات بما يسهل الحياة اليومية.
ورغم شعبية رئيس الوزراء ونهجه العملي، الذي وصفه البعض بالحركي، لا يزال الإنفاق الرأسمالي في العراق متأثرًا بالتقلبات الاقتصادية (يزداد خلال فترات الانتعاش الاقتصادي والانكماش في فترات الركود)، ومدفوعًا بالديون. وينطوي ذلك على مخاطر متأصلة، مثل العقود المبالغ فيها والمشتريات السياسية القائمة على المحسوبية.
وفي الوقت نفسه، تبقى الآثار غير المباشرة على القطاع الخاص محدودة، ما يعني أن الإنفاق الحكومي يولّد فوائد ضئيلة للأعمال التجارية، مثل سلاسل التوريد أو زيادة الاستثمار، وهو ما يحدّ من المكاسب الاقتصادية العامة.
بشكل عام، رصد مؤشر بيرتلسمان للتحول، تحسنًا واضحًا في تنظيم السوق والاستقرار المالي والإطار الاقتصادي، غير أن نظرة أقرب تكشف عن طريق شاق وتحديات لم تُحل بعد.
تأثير الحرب على إيران
لا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، حيث تستمد 99 بالمئة من الصادرات وأكثر من 85 بالمئة من إيرادات الدولة من الهيدروكربونات، مما يترك البلاد الممزقة من الحرب معرضة بشكل خطير لتقلبات الأسعار وعدم الاستقرار السياسي. إذ عندما ترتفع أسعار النفط، يمكن للحكومة أن تنفق بشكل مفرط وتزدهر الدولة؛ عندما تنخفض الأسعار بشكل حاد، يواجه النظام واقعًا صعبًا. لذلك، يبقى التحول طويل الأمد في مجال الطاقة أمرًا أساسيًا في تحدي الإصلاح.
بل وأكثر من ذلك، لأن هشاشة اقتصاد العراق لم تعد فرضية، حيث بلغ الإنفاق العام حوالي 128 تريليون دينار عراقي، أي حوالي 98 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025، مدفوعًا بشكل كبير بالأجور والمعاشات ومشاريع البنية التحتية. ويعمل في القطاع العام أكثر من أربعة ملايين شخص، وتستهلك الأجور ما يقرب من 60 في المئة من الميزانية السنوية.
يكمن جوهر هذه الأزمة في القطاع العام المتضخم، أو ما وصف بـ”البطالة الخفية”، مما يعني أن نسبة كبيرة من القوى العاملة في القطاع العام تعاني من فائض في عدد الموظفين، ما يجعلها زائدة عن الحاجة.
علاوة على ذلك، تشير مصادر حكومية وصحافيون استقصائيون إلى أن أحزابًا سياسية وجماعات دينية وجهات مؤثرة تبيع وظائف في مكاتب حكومية مقابل المال، بدءًا من الجيش وصولًا إلى وزارة الداخلية والمؤسسات العامة الأخرى. وتختلف الأسعار تبعًا للراتب والمزايا، في سوق مفتوحة للتوظيف في القطاع العام.
كما زادت الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران من هشاشة الوضع في العراق، إذ أدى الردّ الإيراني إلى اضطراب حركة ناقلات النفط والتوتر في مضيق هرمز، ما دفع الأسعار لتجاوز مئة دولار أمريكي. 

 

نموذج تحت الاختبار
يأمل السوداني، من خلال نموذجه للتكيف الاقتصادي، في وضع حد للتدهور الاقتصادي وتراجع الاقتصاد، وإنعاشه عبر إرساء أسس لتجارة أكثر سلاسة وتحسين سلاسل التوريد. ولتحقيق ذلك، شدد على التكامل الإقليمي من خلال مشروع “طريق التنمية” الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات، ويهدف إلى الربط بين دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز العلاقات التجارية بين آسيا وأوروبا.
كما سعى السوداني لتوطيد علاقاته مع دول الخليج بما في ذلك السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت. ولهذا، تزداد سلاسل الفنادق المملوكة لمستثمرين أثرياء من الخليج اليوم في بغداد والبصرة، مركز النفط في البلاد. ومع ذلك، يظلّ المستثمرون الخليجيون حذرين؛ لأن العراق لا يزال يفتقر إلى الشفافية والحماية الفعّالة التي تضمن مصالحهم التجارية. فالتشريعات لا ترقى إلى المعايير الدولية، وتظلّ العديد من الإجراءات التنظيمية غير واضحة، مما يبطئ الاستثمار الأجنبي ويضعف الثقة، كما يتضح من تحليل وزارة الخارجية الأمريكية لمناخ الاستثمار في العراق.

 

إصلاح قطاع الطاقة: حقل ألغام سياسي
وبالتوازي، دفع السوداني بإصلاح قطاع الطاقة. ولتقليل الاعتماد الهيكلي على النفط، تهدف حكومته إلى التنويع، من خلال شراكات الطاقة الشمسية مع دول الخليج والصين ومبادرات للاستفادة من الغاز المحترق، وفقًا لجمعية صناعة الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط.
إلا أن التقدم بطيء للغاية: فالمؤسسات ضعيفة، والمصالح السياسية، ونموذج الميزانية الممول بالنفط؛ كلها عوامل تجعل الانتقال الفعّال صعبًا وعرضة لمقاومة سياسية شديدة. ولا يزال العراق يحرق كميات هائلة من الغاز المصاحب، ويعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الطاقة، في واقع ينتقده خبراء الطاقة. إذ يمتلك العراق أحد أكبر احتياط هيدروكربونات في العالم، ولهذا فإن استيراد الغاز لتوليد الكهرباء ليس مجرد عدم كفاءة؛ بل هو دليل إدانة على سوء الإدارة، والتفكير قصير المدى، والشلل السياسي.
يبدو الإصلاح الذي يسعى إليه السوداني ممكنًا من الناحية التقنية، ولكنه محفوف بالمخاطر سياسيًا، إن لم يكن قاتلًا، خاصة في بلد غالبًا ما يفضل فيه السياسيون وقادة القبائل والجماعات المسلحة أجنداتهم الخاصة على المصالح الوطنية. ويقيّد اعتماد العراق الكبير على النفط وضعف هياكل الحوكمة قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاح شامل.
استقرار دون تحولبشكل عام، يحكم السوداني بحدس تكنوقراطي، وقد ساعد تركيزه على البنية التحتية وإصلاح الطاقة وإعادة الاندماج الإقليمي في استقرار البلاد. ويبدو أن الدولة تعمل بشكل أفضل مما كانت عليه قبل خمس سنوات، مع تحسينات ملموسة في مجالات رئيسية: تنظيم السوق، وسياسة المنافسة، والبنوك، والاستقرار المالي، والقطاع الخاص. تضاعفت الإيرادات غير النفطية في عام 2024 ثلاث مرات مقارنة بعام 2022، مدفوعة جزئيًا بزيادة تحصيلات الجمارك والضرائب، بينما تظهر مؤشرات القطاع الاجتماعي، بما في ذلك شبكات الأمان والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، مكاسب متواضعة أيضًا، رغم أن عدم المساواة والفقر لا يزالان منتشرين على نطاق واسع.ومع ذلك، يظلّ نموذج التكيف الاقتصادي في العراق إداريًا في المقام الأول، وهو في نهاية المطاف سطحي أكثر من كونه تحويليًا. ولا يزال الاعتماد على النفط مستمرًا، وتواجه الزراعة صعوبات، وميزان التجارة سلبي بشدة، والصناعة المحلية تعاني. في حين أن تنمية القطاع الخاص مقيدة بالسياسات القوية. هذا الضعف الهيكلي، مقترنًا بارتفاع معدلات التوظيف في القطاع العام وارتفاع الدين العام، يثير شكوكًا جدية حول الاستدامة طويلة الأمد للسياسات الحالية وتأثيرها على الاقتصاد الأوسع والرفاه العام.لا يزال العراق اليوم بعيدًا كل البعد عن تحويل اقتصاده، وبدلاً من ذلك، فإنه يدير نقاط ضعفه ويحاول كسب الوقت. واليوم، يسير العراق على حبل مشدود ــ سعيًا إلى تحقيق استقرار مؤقت بينما يؤجل الإصلاحات التي يحتاج إليها. 
ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي المقالة نُشرت أولًا في مدونة BTI بمؤسسة برتلسمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى